القرطبي
87
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
حيث يبلغ الوضوء ) . قال القاضي عياض : والناس مجمعون على خلاف هذا ، وألا يتعدى بالوضوء حدوده ، لقوله عليه السلام : ( فمن زاد فقد تعدى وظلم ) . وقال غيره : كان هذا الفعل مذهبا له ومما انفرد به ، ولم يحكه عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما استنبطه من قوله عليه السلام : ( أنتم الغر ( 1 ) المحجلون ) ومن قوله : ( تبلغ الحلية ) كما ذكر . السابعة - قوله تعالى : " وامسحوا برءوسكم " تقدم في " النساء " ( 2 ) أن المسح لفظ مشترك . وأما الرأس فهو عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة ومنها الوجه ، فلما ذكره الله عز وجل في الوضوء وعين الوجه للغسل بقي باقيه للمسح ، ولو لم يذكر الغسل للزم مسح جميعه ، ما عليه شعر من الرأس وما فيه العينان والأنف والفم ، وقد أشار مالك في وجوب مسح الرأس إلى ما ذكرناه ، فإنه سئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء فقال : أرأيت إن ترك غسل بعض وجهه أكان يجزئه ؟ ووضح بهذا الذي ذكرناه أن الاذنين من الرأس ، وأن حكمهما حكم الرأس خلافا للزهري حيث قال : هما من الوجه يغسلان معه ، وخلافا للشعبي ، حيث قال : ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس ، وهو قول الحسن وإسحق ، وحكاه ابن أبي هريرة عن الشافعي ، وسيأتي بيان حجتهما ، وإنما سمي الرأس رأسا لعلوه ونبات الشعر فيه ، ومنه رأس الجبل ، وإنما قلنا إن الرأس اسم لجملة أعضاء لقول الشاعر : إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري * وغودر عند الملتقى ثم سائري الثامنة - واختلف العلماء في تقدير مسحه على أحد عشر قولا ، ثلاثة لأبي حنيفة ، وقولان للشافعي ، وستة أقوال لعلمائنا ، والصحيح منها واحد وهو وجوب التعميم لما ذكرناه . وأجمع العلماء على أن من مسح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه ، والباء مؤكدة زائدة ليست للتبعيض : والمعنى وامسحوا رءوسكم . وقيل : دخولها حسن كدخولها في التيمم
--> ( 1 ) الغر ( جمع الأغر ) من الغرة ، بياض الوجه : يريد بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة . ( 2 ) راجع ج 5 ص 238 وما بعدها .